«السلام» وإدارة الخضوع

يشهد الفكر السياسي الدولي المعاصر انزياحاً جوهرياً في تعريف "السلام"، حيث انتقل من كونه مشروعاً لتحقيق العدالة وتفكيك بنى الاستعمار، إلى كونه "تقنية حكم" تهدف إلى إدارة الاستقرار وتأمين المجال الحيوي للقوى المهيمنة.
يتجلّى هذا الانزياح بوضوح في المُقترح المتعلق بـ"مجلس السلام لغزة"، الذي يمثّل مختبراً سياسياً لتحويل القضية الوطنية الفلسطينية من حركة تحرّر وطني تسعى لتقرير المصير، إلى "معضلة إدارية" تتطلّب حلولاً تكنوقراطية وأمنية، وبالتالي فإن هذا النموذج لا يسعى لإنهاء الصراع، بل لإنتاج "استقرار وظيفي" يضمن استدامة السيطرة بأقل التكاليف السياسية والأخلاقية.
الانتقال من الحلّ إلى الإدارة
تتجذّر إشكالية "مجلس السلام" في تبنّيه لمنطق "إدارة النزاع" بدلاً من "حلّه". هذا التوجه يعكس قناعة النيوليبرالية الدولية بأن الجذور السياسية للصراع (كالاحتلال وحق العودة والسيادة) هي عناصر "عصيّة على الحل" في المدى المنظور، ما يستوجب استبدالها بآليات "تقليص الصراع".
وهنا تحديداً، يُعاد تعريف السلام بوصفه "غياب العنف المباشر" لا "حضور العدالة"، وهو ما يُصطلح عليه في الأدبيات السياسية بـ"السلام السلبي".
وفي هذا الإطار، يصبح الفعل الفلسطيني المقاوم "خللاً إدارياً" يعيق تدفّق الخدمات والإعمار، وليس تعبيراً عن إرادة سياسية، ما يؤدّي بالضرورة إلى فشل المجتمع الدولي في إيجاد صيغة تتّسق مع طبيعة الحق الفلسطيني.
وبالتالي فإنّ المجلس، وبغضّ النظر عن نقاط القوة التي يحملها، قد يصبح امتداداً لسياسات "ما بعد الاستعمار" عبر أدوات الحوكمة الفنية، فالتكنوقراطية، التي تُقدّم عادة كوجه محايد وخبير، تُستخدم هنا كأداة لنزع السياسة عن الشأن الفلسطيني، من خلال قلب الهرم المنطقي وجعل "نزع السلاح" مدخلاً للسلام بدلاً من أن يكون نتيجة لتسوية عادلة.
وبهذا يتم تجريد الذات الفلسطينية من حقّها في المقاومة المشروعة، وتحويل السلاح من أداة سياسية إلى "خطر أمني" يهدّد تدفّق المساعدات.
إنّ هذه الرؤية تحصر الهوية الفلسطينية في نمط "المستفيد من الخدمة" أو "المتلقّي للإغاثة"، متجاهلة كينونته كفاعل سياسي يسعى للسيادة وتقرير المصير، وهو ما يعزّز فكرة أن الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يكون بديلاً عن الحرية السياسية.
أزمة الشرعية
يطرح المجلس معضلة حادّة على مستوى القانون الدولي، وتحديداً في ما يتعلق بمسألة الشرعية، فبينما تستند الأمم المتحدة –رغم محدوديتها كفاعل– إلى قرارات تضمن حق تقرير المصير، يميل "مجلس السلام" إلى تجاوز هذه الأطر لصالح شرعية "تحالف الراغبين"، هذه الشرعية لا تُشتقّ من التمثيل الشعبي أو التفويض القانوني، بل من "تثليث القوة": السطوة العسكرية، التمويل المالي، والواقعية السياسية المفروضة.
وبالتالي فإن تجاوز الأمم المتحدة هو قرار استراتيجي يهدف إلى تحرير "عملية السلام الجديدة" من الالتزامات القانونية المتعلّقة بالحقوق التاريخية، واستبدالها بعقود إدارية ومؤشّرات أداء تسيطر عليها الجهات المانحة، حيث يصبح المال صوتاً مقرّراً يحدد أولويات الإعمار بناءً على هواجس المموّل لا احتياجات السكان.
جدلية التبعية وإعادة إنتاج السيطرة
في محاولتنا لقراءة البعد الجيوسياسي لطبيعة الصراع على غزة، يبدو التوتر المُعلن بين واشنطن وتل أبيب للوهلة الأولى وكأنه خلاف حقيقي على الوسائل والأهداف، إلا أن التدقيق البنيوي يكشف أن هذا التوتر لا يرقى إلى مستوى صراع النفوذ، بقدر ما يمثّل آلية توزيع أدوار داخل منظومة هيمنة واحدة.
فالخلاف هنا ليس على جوهر السيطرة، بل على شكل إدارتها، ولا على استمرار الحصار، بل على الطريقة الأكثر كلفة أو الأقل عبئاً سياسياً وأخلاقياً لفرضه.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم التحوّل من "الإدارة الخشنة”" التي تمارسها إسرائيل – عبر القوة العسكرية المباشرة، والحصار الصريح، والعقاب الجماعي – إلى ما تسعى إليه واشنطن من "إدارة ناعمة" للصراع، تُغلّف السيطرة بمنظومات إدارية، ولجان تكنوقراطية، وأطر دولية تحمل أسماء محايدة مثل "الرقابة" و"إعادة الإعمار" و"الاستقرار".
هذا التحوّل لا يمثّل قطيعة مع منطق الهيمنة، بل إعادة صياغته بلغة أقل فجاجة، وأكثر قابلية للتسويق الدولي.
من هذا المنظور، لا يُفهم ما يُسمّى "مجلس السلام" كأداة لإنهاء الصراع، بل كآلية لإعادة تدوير الحصار ضمن صيغة قانونية–إدارية جديدة، فالحصار، الذي كان يُنظر إليه تاريخياً كإجراء استثنائي مُدان، يُعاد تقديمه هنا بوصفه منظومة تنظيمية "ضرورية" لضبط الأمن، وضمان تدفّق المساعدات، ومنع "الانفجار".
وبهذه الطريقة ينتقل الحصار من كونه ممارسة قسرية غير شرعية، إلى كونه سياسة مُدارة، متعدّدة الأطراف، ومحميّة بخطاب إنساني وتقني.
تكمن خطورة هذا التحوّل في أنه يسعى إلى نقل العبء الأخلاقي والقانوني من القوة المحتلة إلى شبكة من الفاعلين الدوليين والإقليميين، بحيث تتلاشى المسؤولية المباشرة، وتُستبدل بمنطق "الإدارة المشتركة".
وبهذا المعنى، لا تحاول واشنطن كبح إسرائيل أو تحييدها، بل تحاول تخفيف الكلفة السياسية لدورها كراعٍ للاحتلال عبر تفويض وظيفي، يسمح باستمرار السيطرة دون تحمّل تبعاتها الكاملة.
غير أن نجاح هذا النموذج الإداري يفترض شرطاً بنيوياً لا غنى عنه وهو غياب الفلسطيني بوصفه فاعلاً سياسياً. فإقصاء الفلسطيني عن "طاولة التصميم" ليس خللاً إجرائياً ولا صدفة بروتوكولية، بل ضرورة هيكلية. فحضور الفلسطيني، ولا سيما بوصفه شعباً يطالب بالسيادة وتقرير المصير، من شأنه أن يعيد طرح الأسئلة الجوهرية التي يحاول النموذج القائم تجاوزها: مَن يملك الأرض؟ مَن يملك القرار؟ ومَن يحدّد شكل السلام ومعناه؟
إن إدخال الإرادة الشعبية الفلسطينية في أي إطار إداري يعني تلقائياً تسييس هذا الإطار، وتحويله من مسألة "حوكمة" إلى مسألة تحرّر.
ولذلك، يُعاد تعريف الفلسطيني داخل هذا النموذج لا كصاحب حق، بل كموضوع إدارة وكمجتمع يجب ضبطه، وإعادة تأهيله، واحتواء سلوكه عبر مزيج من الإغاثة المشروطة والأمن المنضبط.
بهذا المعنى، يصبح غياب التمثيل السياسي الفلسطيني شرطاً لتمرير الحل، لا نتيجة جانبية له.
إلا أن هذا الافتراض يتجاهل معطى مركزياً في التجربة التاريخية الفلسطينية، وفي تجارب حركات التحرّر عموماً.
فالمقايضة بين الأمن والإغاثة من جهة، والحرية من جهة أخرى، هي مقايضة خاسرة بنيوياً، فالفعل الفلسطيني، خصوصاً في غزة، أثبت مراراً أن تحسين شروط الحياة تحت السيطرة لا يُنتِج قبولاً بالهيمنة، بل قد يعمّق الوعي بطبيعتها، فالاستقرار الاقتصادي، حين يُقدَّم كبديل عن الحرية، يُفهم اجتماعياً بوصفه رشوة سياسية، لا حلاً دائماً.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم "مجلس السلام" كنهاية للصراع، بل كمرحلة جديدة في تطوّره، مرحلة يُعاد فيها تعريف أدوات السيطرة، لا أهدافها. وفي المقابل، يُعاد فيها تشكيل أدوات المقاومة، لا دوافعها.
لأن أي نموذج يتجاهل هذه الحقيقة، ويظن أن السلام يمكن أن يُدار دون عدالة، أو أن الاستقرار يمكن أن يُشترى دون حرية، إنما يراكم شروط الانفجار المقبل، ولو تأخّر زمنياً.
خلاصة: إن "مجلس السلام" يمثّل محاولة دولية لهندسة واقع "ما بعد الكارثة" في غزة دون المساس بجوهر المأساة السياسية، إنه مشروع لإنتاج "سلام بلا ذات سياسية"، وإعمار بلا حرية، وإدارة بلا تمثيل.
ولعلّ الخطر الوجودي لهذا النموذج يكمن في قدرته على شرعنة الحصار والاحتلال عبر تحويلهما إلى نظام إداري دولي مستدام.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل يمكن للنجاعة الإدارية أن تطمس الحقوق الوطنية؟ في الحقيقة إن الإجابة تكمن في قدرة المجتمع الفلسطيني على رفض الاختزال الإداري والتمسّك بمركزية السياسي في مواجهة التقني، والتأكيد على أنّ السلام الذي لا يمر عبر تقرير المصير هو مجرّد تسمية مهذّبة لاستمرار الاستعمار.
* صحافي فلسطيني
